جذور التسلط وآفاق الحرية جذور التسلط وآفاق الحرية ©

حسن شافعي
2006/12/10

عنوان الكتاب  :    جذور التسلط وآفاق الحرية
المؤلف  :    حسن حنفي
الناشر  :    مكتبة الشروق الدولية
المدينة  :    القاهرة
السنة  :    2005
صفحات  : 332

منذ تشكله في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عُني الفكر الإصلاحي الإسلامي ببحث الظاهرة الاستبدادية في علاقتها بتكريس التخلف وتعويق النهوض، وخلال مقاربته لها أنتج عددا من المساهمات القيمة، لعل أبرزها دراسة الكواكبي الرائدة "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، وكذلك "الإسلام والاستبداد السياسي" للشيخ محمد الغزالي، وأخيرا الدراسة التي أعدها الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي تحت عنوان: "الدين والفكر في فخ الاستبداد".

ومن المنطقي أن يحتمل بحث الظاهرة الاستبدادية معالجات ورؤى متباينة، وإحدى هذه المعالجات المختلف عليها طرحها الدكتور حسن حنفي في كتابه: "جذور التسلط وآفاق الحرية"، الذي مهد له بالقول: إن قضية الاستبداد هي قضية العرب الأولى قبل موضوع الديمقراطية، معللاً ذلك بأن حرية الفرد تعد شرطا لازما لديمقراطية الحكم؛ فليست الحرية السياسية إلا نتاج الحرية الفكرية، حيث ينبغي أن يسبق المفكرون الأحرار الضباط الأحرار، وعلى ذلك يحاول معالجة قضية التسلط والحرية مؤصلا لجذور التسلط المعرفي، وسابرا أغواره الثقافية في الموروث القديم وتراكماته في الثقافة المعاصرة، سعيا منه للخروج إلى آفاق الحرية بالكشف عن موانعها، ومظاهر غيابها، وأسباب تأخرها.

رؤية العالم والتصورات المختزلة

يبحث المؤلف في الفصل الأول من كتابه في قضية إعادة بناء الموروث القديم طبقا لتحديات العصر، ويذهب إلى أن الخطوة الأولى على هذا الصعيد هي أن يتحول العرب من التصور الرأسي للعالم إلى التصور الأفقي؛ فقد ورثنا تصورا رأسيا للعالم يتصور العلاقة بين الطرفين علاقة الأعلى بالأدنى؛ فالأعلى أكثر قيمة وأعلى رتبة وشرفا من الأدنى، ونموذجها علاقة النفس بالبدن كما يتصورها الفلاسفة، وعلاقة النص بالواقع كما يتصورها علماء أصول الفقه، هذا في حين أن الدين لا يستبعد وجود تصورات أخرى، فقد تكون العلاقة أفقية لا رأسية كعلاقة الأمام بالخلف، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} (الواقعة:10-11)؛ فالمقرب ليس هو الذي يصعد إلى أعلى بل الذي يتقدم إلى الأمام، والتقدم مرهون بالإرادة الإنسانية حتى تحوز المسئولية، ويعتقد دكتور حنفي أن لحظات الضعف هي المسئولة عن إنتاج مثل هذا التصور، وذلك عندما تتحول الحركة إلى سكون، والمقاومة إلى استسلام، فلا يبقى إلا الصعود إلى أعلى.

وينتقل الكتاب إلى تصور آخر من الموروث الثقافي وهو التصور الهرمي للعالم؛ فالوصول إلى أعلى صعب المنال، ومن هنا ينشأ التصور الهرمي للعالم ودلالته على الفكر، حيث المعارف ترقى من أدنى إلى أعلى في سلم الحقائق، من الحس إلى العقل إلى القلب كما يقول الفلاسفة.

أما التصور الأخير فهو التصور الأحادي، القائم على صوابية الرأي الواحد، والحزب الواحد، والفرقة الناجية. ومن هنا يتم نفي التعددية، ويردف المؤلف قائلا إن هذا التصور الأحادي والمختزل للعالم لا يمكن نشوؤه إلا في ظل لحظات الضعف الاجتماعي، عندما يبلغ التعدد والتشظي ذروته، وعندئذ يبزغ مفهوم "الفرقة الناجية" أو "الطائفة المنصورة" كمعيار أساسي للتصنيف في زمن تضيع فيه الحقائق.

ودون أن يقدم دليلا واحدا يثبت به صدق دعواه -وهو ما مارسه في أكثر من موضع في كتابه- يتهم المؤلف الشيخ أبا حامد الغزالي بأنه أول من أصَّل لمفهوم الفرقة الناجية في الفكر الإسلامي عبر كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد"، حين جعل الحق في جانب والباطل في غيره، والصواب في عقيدة ومذهب، والخطأ فيما عداها من عقائد ومذاهب. وبرأيه انعكس ذلك سلبا على الحضارة الإسلامية، فـ"بعد التصور الأحادي للعالم الذي قام به الغزالي بدأت الحضارة في الأفول، وأخذت كل العلوم صورا نمطية، واجترت الذاكرة ما أبدعه العقل سلفا" ص 29.

مظاهر التسلط وتجلياته

بعد أن حدد حنفي أسباب الاستبداد وأرجعها إلى التصورات الاختزالية للعالم، انتقل لبيان مظاهر التسلط الثقافية العربية والإسلامية الموروثة، وحددها في صورة الزعيم الذي نراه في السيرة الشعبية: أبو زيد الهلالي، والزناتي خليفة، وإذا استطاع الزعيم الاستئثار بالحكم فهو ذاك الذي يتسلط على قومه، ويزج بالمعارضين في السجون، أو يصفيهم جسديا في مقابر جماعية.

وإسقاطا على الواقع السياسي يذهب المؤلف إلى أنه عندما يشرع الزعيم في شق عصا الطاعة عن أسياد الخارج يصدر الحكم بإعدامه تحت عدة ذرائع: أسلحة الدمار الشامل، والتسلط، والدكتاتورية. ويحتار الزعماء بين نموذج العصا والخسارة أمام الخارج، ونموذج الجزرة والخسارة في الداخل، وهنا يطرح الكاتب النموذج الثالث، نموذج التحالف مع الداخل ضد الخارج، الذي يجسد مصالح الشعب، ويتساءل: متى ستتحول الزعامة من الفرد إلى الجماعة، من البقاء في السلطة مدى الحياة إلى تداول السلطة في عالمنا الإسلامي؟

أما المظهر الثاني من مظاهر التسلط فيجد صداه في انتشار ألقاب التعظيم في موروثنا الثقافي القديم، وتجاوزها - كما يدعي- إلى التقديس والتأليه، مثل: شيخ الإسلام، وحجة الإسلام، وأمير المؤمنين. والألقاب التي تحدث عنها حنفي هي خليط من ألقاب سياسية وأخرى علمية، والأخيرة ذات مدلولات رمزية؛ إذ لم تمنحها هيئة كهنوتية (إكليروس) بحيث تعصم أفرادها من حق النقد والمخالفة، حتى أن بعضا ممن تلقب بها تعرض للتنكيل والسجن. من جانب آخر فإنه بمقارنة لقب أمير المؤمنين بألقاب مثل: الإمبراطور أو ملك الملوك وغيرها من الألقاب الشائعة في الحضارات المعاصرة للحضارة العربية يتضح أنها لم يكن لها مظهر تقديسي أو تبجيلي.

وفي رصده لتجليات التسلط يمايز حنفي بين نوعين من المجتمعات هما: المجتمع المغطى، وإجاباته تكون جاهزة معروفة سلفا، بحسبانها حقائق لا تتغير بتغير الزمان والمكان، والمجتمع المكشوف الذي لا يُسلم بالإجابات الجاهزة القطعية، ويبدأ بالتساؤل عما هو موجود، وتتعدد فيه الإجابات. والغطاء الذي يعنيه يتداخل فيه السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي، ويمتد ليسطو على مناهج التعليم التي تهدُف إلى طاعة أولي الأمر وترويع المفكرين المخلفين لهم، وليس هناك سبيل للخروج من تلك الحالة حسبما يعتقد سوى بإعادة تأسيس المجتمعات وصياغة ثقافتها الموروثة بحيث تسمح بإزالة الغطاء.

الواقع الثقافي ومسئوليات المثقف

ويطرح حنفي إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة؛ فيذهب إلى أن هناك ثلاثة مواقف تظهر في سلوك المثقف وعلاقته بالسلطة:

الأول: مثقف السلطة الذي يشرع للسلطان، ويزين له مواقفه.

والثاني: شهيد السلطة الذي يقف على نقيضها، ولا يبغي حوارا ولا حلولا وسطا، ويكون أول المعتقلين والمعذبين داخل السجون، والمتهم دوما بتدبير مؤامرات لقلب نظام الحكم.

والأخير: المثقف الوطني، وهو الجسر بين السلطة والجماهير الذي يحاول ردم الهوة بين الحاكم والمحكوم، ويقلل المسافة بينهما حتى يتم الحوار ويقع التفاهم بدلا من الخصومة والعداء، وأحيانا يميل المثقف الوطني إلى السلطة منه إلى الشعب، وربما يكون ذلك عن حسن نية أو ذكاء يجنبه بطش السلطان، وأحيانا أخرى يميل إلى الناس للتعبير عن آرائهم لدى السلطان مباشرة. ويؤكد حنفي على أن المثقف الوطني هو ضمير الأمة، وهو النموذج الأقدر على الإصلاح في حالة ما إذا تمسك بمواقفه، ولم يتحول إلى النموذج الأول ويصبح فقيه السلطان.

هذا عن المثقف العربي أما الثقافة العربية ذاتها فهي تعود برأي حنفي إلى مكونات ثلاثة تختلف فيما بينها كمّا وكيفا، واتساعا وعمقا:

المكون الأول يجسده التراث القديم، وهو موروث ثقافي ممتد منذ أكثر من خمسة عشر قرنا، وهو الذي يشكل التصورات المتعلقة بالرؤى الكونية، وهو المحدد للمعايير السلوكية للفرد والجماعة، ولذا يعد المكون الأكثر أصالة من مكونات الثقافة العربية، إلا أنه تحول إلى مقدس بعد أن اختلط بالدين وتوحد معه، فلم يعد بالإمكان المساس به بالنقد أو القراءة أو إعادة البناء، ويستلفت حنفي النظر إلى أن هذا الموروث صار يوظف أيديولوجيا من قِبَل بعض الجماعات السياسية التي تتزيا بالإسلام، ومن قِبَل النظم السياسية الاستبدادية التي تستهدف عزل الجماعات وحصارها.

وأما المكون الثاني فهو الوافد الغربي الذي تعرفنا عليه منذ قرنين من الزمان حين أسس الطهطاوي مدرسة الألسن، وهو أقل عمقا وأثرا من الموروث، ويشغل سطح الوعي الثقافي بالرغم من بريقه. ومثلما يتوحد الموروث الثقافي مع الماضي؛ فإن الوافد الغربي يتوحد مع اللحظة التاريخية الآنية، وهو يمثل ثقافة النخبة المسيطرة على حين يُمثل الموروث ثقافة الجماهير المغلوبة على أمرها، ويذهب حنفي إلى أنه إذا كان الموروث قد تكلس حتى بات مقدسا، فإن الوافد المكون من نظريات وفلسفات بشرية يتعذر أن يصبح مقدسا لكونه وجهات نظر تحتمل الصواب والخطأ، وهي -وإن تضاربت- لا يمكن أن ينفي بعضها الآخر.

والمكون الثالث هو الواقع الحي بتوقعاته وإحباطاته، والحاضر بكل ما فيه من تجارب وخبرات وإمكانيات، وإذا كان لكل من الموروث والوافد أدبياته المطبوعة التي تخاطب الجماهير أو النخبة؛ فإن الواقع ليس سوى تجارب معاشة. وواقعنا الذي نحيا خلاله ليس واقعا معافى بل هو واقع مأزوم، وأزمته كما يعتقد المؤلف تقع بين الموروث والوافد؛ فالأول أحد أسباب أزمة الواقع، على حين يزعم الوافد امتلاكه مفاتيح الحل.

وحول العلاقة بين المكونات الثلاثة يذهب حنفي إلى أن العلاقة يحددها الصراع ولا يحكمها الوفاق، وتاريخنا حافل بأشكال متعددة لهذا الصراع أبرزها: النزاع بين الأزهر والجامعة، والدولة الدينية والدولة المدنية، والحجاب والسفور. وحسبما يعتقد فإن حل النزاع يكمن في "أن يصبح الدخيل أصيلا، والخارج من الداخل، والبحث عن النفس أولا قبل البحث عن الآخر" (ص133)، ويتوقف حنفي عند هذا الطرح التبسيطي دون أن يوضح الكيفية التي يمكن من خلالها للدخيل أن يصبح أصيلا، رغم أنها المهمة الأساسية له كمفكر، ودون أن يعلل لنا لِمَ ظل الوافد دخيلا غريبا عصيا على التوطين طيلة قرنين من الزمان.

كيف نتعامل مع الموروث؟

يتعرض المؤلف بعد ذلك للأنماط المتعددة في تعاملنا مع الموروث، ويجملها في: التكرار، والاجترار الكلي، والرفض المطلق، والاجتزاء القائم على الهوى الشخصي للمجتزئ، والجمع بين أجزاء متشابهة من الموروث مع ما يقاربها من الوافد، وأخيرا إعادة البناء من أجل التوظيف، وهي ما يعلن حنفي انحيازه لها مبررا موقفه بأن التراث لا يزال عائشا حيا في الوجدان، ولكنه يعيش في جوانبه السلبية، فلا مناص من إعادة بنائه على جوانبه الإيجابية.

أما المنهاجية التي يعتمدها لإعادة البناء فهي "رد التراث إلى الظروف التاريخية التي نشأ فيها لمعرفة: كيف تم توظيفه في السابق، وما القوى الاجتماعية والسياسية التي أفرزته، وذلك من أجل القضاء على تحجره، ورد الحياة إليه، وبعد ذلك يعاد الاختيار بين بدائله طبقا للقوى الاجتماعية الجديدة في معارك التقدم والتخلف" (ص139)، ويتابع مقصوده بقوله: إنه إذا كانت احتياجات العصر تدعونا للتأكيد على العقلانية فيمكن عندئذ استدعاء ابن رشد والمعتزلة، وإذا ما كان هناك احتياج لتأكيد النزعة العلمية فيتم استدعاء ابن رشد والمعتزلة، وإذا كانت هناك ضرورة للدفاع عن النزعة الإنسانية فيمكن إبراز أصل العدل عند المعتزلة.

ودعوة حنفي كما يبدو قائمة على اختزال التراث -أو بالأحرى تقزيمه- في المعتزلة وابن رشد، وطرح ما عداها من تيارات، وهي دعوة مردودة من وجهين:

الأول: أن ابن رشد والمعتزلة استقوا قسما كبيرا من فلسفاتهم من الفلسفة اليونانية القديمة، ومن ثم فإعادة تراثهم يعني استعادة الصلة بالفلسفة اليونانية بشكل أساسي.

والثاني: أن تراث المعتزلة وابن رشد قوبل بحفاوة من قبل جمهرة من المستشرقين باعتباره ممثلا لجوهر التراث الإسلامي، ودعوة حنفي ترويج لدعوة أخفق أربابها في تحقيقها.

خلاصة ما يرمي إليه حسن حنفي في كتابه التوكيد على أن هناك صنفين من التراث: تراث منفتح وعقلاني، والآخر تراث سلفي محافظ لاعقلاني، والأخير مصدر الاستبداد في عالمنا العربي المعاصر، ولا سبيل لتجاوز واقعنا الاستبدادي إلا بطرحه كلية والتنكر له.




ألفبائي جغرافي زمني