معارك حول الإسلام في الغرب معارك حول الإسلام في الغرب: مبادرة منع المآذن في سويسرا ©

عبده إبراهيم
2010/01/28

عنوان الكتاب  :    معارك حول الإسلام في الغرب
المؤلف  :    حسام تمام
الناشر  :    مكتبة مدبولي
المدينة  :    القاهرة
السنة  :    2009
صفحات  : 170

يعد كتاب "معارك حول الإسلام في الغرب" أول كتاب يفرد لدراسة المبادرة السويسرية؛ حيث يتناول طبيعتها ومحدداتها، وأهم الفاعلين، وقضاياها المطروحة للنقاش، وتأثيرها على العالم العربي، وذلك عبر مقدمتين ومجموعة أبحاث متنوعة لباحثين ينتمون لجنسيات شرقية وغربية، ويمثلون مختلف وجهات النظر حول الموضوع. وقبيل أن نشير لأهم النقاط التي تناولها والمعالجات التي طرحها ينبغي أن نشير أولاً إلى أن الكتاب قد صدر قبيل إقرار المبادرة بفترة وجيزة، إلا أنه يكشف عن حالة الجدالات المصاحبة لها والأصداء التي خلفتها.

تاريخ الأزمة وأبعادها

منذ فترة طويلة -كما يشير حسام تمام في مقدمته للكتاب- يعيش الشعب السويسري حالة من الجدل حول بناء المآذن، وحول الوجود الإسلامي في سويسرا بشكل خاص، وفي أوروبا بشكل عام، وفي ظلالها أطلق اليمين العنصري -تحديداً بعض المسيحيين الإنجيليين- في سويسرا مبادرة شعبية تتضمن إضافة فقرة إلى المادة الثانية والسبعين من الدستور الفيدرالي تحظر بناء المآذن.

إن أهمية هذه المبادرة تتمثل في لجوئها إلى استخدام الآليات القانونية والتشريعية لحظر رمز ديني إسلامي في بلد غربي الثقافة، الأمر الذي يكشف عن حالة الخوف من انتشار المظاهر الإسلامية التي اجتاحت أوروبا بعد حوادث سبتمبر 2001، مما يفتح بابا واسعا للتساؤلات حول تأثيرات المظاهر الدينية الإسلامية في المجتمعات الغربية ثقافيا وأيديولوجيا، وعن دور الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، المحليين والدوليين، في إثارة النقاشات المتعلقة بأوضاع المجموعات الدينية الإسلامية في الغرب.

ويذهب تمام إلى أن هناك ثلاثة أبعاد مهمة متضمنة في قضية المآذن؛ أولها البعد القانوني، ويتمثل في ما يخلقه الدين من تحديات قانونية أمام الدول رغم تمتعها بتراث ديمقراطي عريق، أما البعد الثاني فيدور حول اندماج المهاجرين في أوروبا وخصوصا المسلمين، على حين يشير البعد الثالث إلى البعد العالمي للعلاقة بين الإسلام والغرب في سياق دولي عابر للحدود، ليس فقط على المستوى الإعلامي، بل على مستوى الفاعلين؛ حيث تصير الدولة فاعلا مع فاعلين آخرين (اليمين المتشدد والجماعات الإنجيلية والاتحاد الأوروبي).

ويخلص تمام إلى أن هذه القضية أعادت الدين إلى ساحة النقاش العام، فلم يعد شأنا خاصا كما أرادت له الحداثة، ثم يطرح تمام تساؤلا هاما هو: هل هذه العودة هي استعادة للقوة الرمزية للمعايير الدينية وتأثيرها على بقية الفضاءات الاجتماعية، لاسيما ميادين الاقتصاد والسياسة؟ أم سيظل الدين مجالا للخاص فقط؟

يركز جان فرانسو مايير على أن المآذن في أوربا تكتسب أهميتها من رمزيتها، وليس باعتبارها مكانا لرفع الآذان، فخلف المئذنة تختبئ قضايا مقلقة أكثر اتساعا، وما يثير تعجب مايير هو عدد المآذن في سويسرا الذي أثار كل هذا الجدل، والذي لم يتجاوز مئذنتين حتى 2005م؛ شيدت الأولى في زيورخ عام 1963م فوق جامع صغير تابع للطائفة الأحمدية، والثانية في جنيف عام 1978م، وهي تعلو مسجد ومركز المؤسسة الثقافية الإسلامية.

ثم أضيفت مئذنتان أخرتان بعد ما يقرب من ثلاثين عاما؛ فقد أطلقت جمعية تركية عام 2005م مشروع مئذنة رمزية في فانجن بارتفاع خمسة إلى ستة أمتار، إلا أن المشروع واجه اعتراضات كثيرة فتم رفضه، وبعد جدالات كثيرة صاحبته تم رفع المئذنة في نهاية المطاف في يونيو 2009م، أما المئذنة الرابعة فهي التي تعلو المركز الألباني في "فينترتور"، وقد شيدت عام 2005م.

وبخلاف هذه المساجد الأربعة ذات المآذن، يوجد حاليا في سويسرا ما يقرب من مائتي مركز إسلامي تضم أماكن مخصصة للصلاة. ورغم وفرة المراكز فليس هناك جهة مؤسسية واحدة تجمع شتات المسلمين في سويسرا وتحظى بتمثيلهم فيها؛ فهناك خمسة اتحادات للمسلمين الأتراك وحدهم، أما باقي المسلمين فلا يحظون بالوحدة التنظيمية، إلا أن هناك محاولاتٍ تجميعيةً أكثرُها نجاحا تلك التي تتم على المستوى المحلي (المدينة أو البلدة).

وقد تفجرت قضية المآذن مؤخرًا على خلفية قضية مئذنة "فانجن"، التي كانت الباعث على إطلاق حركة تعتبر المئذنة مؤشرا على أَسْلَمةٍ زاحفة على سويسرا في عيون الدوائر السويسرية ولدى مواطنين قلقين، وهذا القلق لا ينطلق من رفض كل ما هو ديني، وإنما من رفض كل ما هو إسلامي. وعلى سبيل المثال، فبناء معبد للسيخ لا يُواجَه بأية اعتراضات غربية، ومن ثم فتفسير ردود الأفعال على أزمة المآذن لا يقتصر على اعتبارها مظهرًا لكراهية الأجانب، بل يمتد إلى ما يثيره الإسلام من مخاوف ذات طبيعة خاصة، وهنا يشدد مايير على أهمية السياق الأوروبي العام الذي يساعد على خلق مثل هذه التوجهات المعادية، وخصوصا تفجيرات مدريد 2005م، وجدل الرسوم الدنمركية 2006م، إضافة للعديد من الحوادث المحلية في البيئة الأوربية، مثل استثناء الفتيات المسلمات من دروس السباحة، وأزمة الحجاب في فرنسا، وغيرها من تحديات تفرضها البيئة الغربية المختلفة ثقافيا عن مثيلاتها الإسلامية.

في ظل تلك الأجواء أُطلقت المبادرة في أحد فنادق "بيرن" مايو 2007م، وتشكلت من أعضاء في الاتحاد الديمقراطي للوسط والاتحاد الديمقراطي الفيدرالي (حزب مسيحي إنجيلي)، وقد استهدفت إضافةَ فقرةٍ للمادة 72 من الدستور الفيدرالي تحظر بناء المآذن وتوجب على اللجنة أن تجمع مائة ألف توقيع صالح خلال ثمانية عشر شهرا.

والمعلوم أن الحكومة السويسرية اتخذت منها موقفا معارضا؛ على اعتبار أنها تعمل على فرض حظر لا طائل منه ولا يخضع لمبدأ التناسب، وأنها تخطئ هدفها؛ لأن ارتياد المساجد سيستمر سواء أكان لهذه المساجد مآذن أم لا، من ناحية أخرى أشارت الحكومة إلى حدث تاريخي له دلالته؛ فقد تضمنت الدساتير السويسرية الصادرة في منتصف القرن التاسع عشر إجراءات تمييزية ضد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، كطرد المسيحيين اليسوعيين، ووقف بناء أديرة جديدة، وحظر بناء أسقفيات بدون موافقة الحكومة، وقد ألغيت المواقف ضد اليسوعيين عام 1973م، وفي عام 2001م تم إلغاء منع بناء الأسقفيات والتي تقع ضمن الفقرة الثالثة من المادة 72. وهكذا، ففي الوقت الذي يتم فيه التراجع عن القيود الدينية المفروضة على المسيحية يتم فرض قيود جديدة على الإسلام!

وعن حالة النقاش التي خلقتها هذه المبادرة يشير مايير إلى أن النقاش دائما يختزل الإسلام في مسألة المئذنة، والأهم منها برأيه هو الأسباب وراء قبول المبادرة، فالمسألة ليست في الضجيج الذي تحدثه المآذن؛ وإنما حول الوجود الإسلامي في الغرب.

محددات الأزمة

أ ـ المبادرة الشعبية في سويسرا

يؤكد ستيفان لاتيون على أن المبادرة واحدة من خصائص الديمقراطية السويسرية؛ لكونها تسمح لأي فاعل سياسي أو مجموعة من المواطنين بفرض تصويت على مقترح يتضمن مراجعة للدستور، كما يمكن من خلالها اقتراح قانون على مستوى المقاطعات.

وتتكون المبادرة في الغالب من حزب سياسي أو جماعة ضغط معينة، وهي مدعوة لتقديم مشروع قرارها إلى المستشارية الفيدرالية، فتُمنح مهلة ثمانية عشر شهرا لجمع ما لا يقل عن مائة ألف توقيع، وفي هذه الحالة تقوم السلطات بدراستها، وقد ينتهي الأمر بقبولها إن لم تكن متعارضة مع الاتفاقيات الدولية. وفي المرحلة التالية يقوم مجلس الوزراء بعرضها على التصويت، كما يحق للبرلمان صياغة واقتراح مشروع مضاد. وحتى تحظى المبادرة بالنجاح يجب أن تحظى بنسبة "الأغلبية المزدوجة"، وهذا يعني أنها يجب أن تحصل ليس فقط على أغلبية أصوات الناخبين، بل على أغلبية الكانتونات (أربعة عشر كانتونا من أصل ست وعشرين) المكونة للاتحاد السويسري.

وعلى الرغم من أن نجاح المبادرات في التاريخ السويسري لا يتعدى عشرة بالمائة، فإن هذا لا يدل على أنها غير ذات فاعلية؛ فهي تقوم بوظائف عديدة، منها أنها تسمح للمجموعات الموجودة على هامش النظام السياسي (الأحزاب الصغيرة وجماعات الضغط) بتمرير مطالبها السياسية عن طريق قنوات اتصال مباشرة، وليس عن طريق مؤسسات التمثيل الكلاسيكية، فضلا عن نهوضها بوظائف غير مباشرة مثل: التأثير على النقاش السياسي، وتنبيه النظام السياسي إلى موضوعات بعينها يجب أن تتضمنها سياساته المستقبلية، خصوصا إذا ما حققت نسبة عالية من الأصوات.

ومن هنا يرى ستيفان لاتيون أن نجاح المبادرة ليس مهما بحد ذاته بقدر أهمية تأثيراتها في المدى الطويل على مستوى النظام السياسي وعلاقاته بديناميكيات الإسلام في سويسرا.

ب ـ رمزية المئذنة في التاريخ الإسلامي

يؤكد رشيد بن زين أن المئذنة عرفت في التاريخ الإسلامي في حدود القرن الثامن الميلادي على أقل تقدير، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المآذن مكونًا ثابتا في بناء المساجد في العالم الإسلامي، قبل أن تنتشر في وقتنا الحاضر في المناطق التي لم تكن تشهد فيها سابقا وجودا كثيفا. وهي تتخذ أشكالا متنوعة بين الطول والقصر، والضخامة والنحول، أما من الناحية الوظيفية فقد ظلت تقوم بدعوة المؤمنين إلى الصلاة، وتعلن بارتفاعها المتعالي عن أماكن تواجد الإسلام.

ومنذ القرن الثالث عشر الميلادي أصبحت المآذن تعكس رمزيا وبقوة معاني النصر الإسلامي، كما أنها تعبر عن توجه الإنسان إلى الله، فحين ترتفع المئذنة في السماء وحيدة لتعلن عن وجود المسجد فهي تستقيم كأصبع مرفوع يشير إلى "الواحد الأحد"، معلنة عن عقيدة التوحيد، لذا يجب أن نفهم الأهمية التي تمثلها المئذنة لدى عدد كبير من المسلمين، حتى مع إمكانية وجود عدد كبير من المساجد بدون مآذن في الماضي والحاضر.

ج ـ العمارة الإسلامية في الغرب

يشير ستيفان لاتيون إلى أن انتقال الإسلام إلى أوروبا سمح بخلق ابتكارات معمارية جديدة، بحيث لم يُعد المسلمون إنتاج نموذجهم الثقافي، الشيء الذي يؤكد على استفادة المسلمين واستيعابهم لما وجدوه في مختلف أجزاء العالم من فنون معمارية، ومنذ بدايته يجمع الإسلام عالمًا متعدد الثقافات، وابتداء من القرن الهجري الأول سيصبح المسجد المكان الرمزي والعملي للممارسات الشعائرية، ولكن مع اصطباغه بالثقافات المحلية، في المغرب العربي أو الشرق الأوسط أو شبه القارة الهندية والصين والأناضول وشبه الجزيرة الأيبيرية خلال فترة الحكم الإسلامي، بحيث أصبح المسجد يحمل طابع وخصائص المنطقة الموجود فيها.

وقد نتج عن التوسع الاستعماري الأوروبي خلال القرن التاسع عشر تحولات عميقة -اجتماعية وسياسية واقتصادية- داخل العالم الإسلامي، امتدت إلى مجال العمارة من خلال قيام الأساتذة الأوربيين بالتدريس في الجامعات العربية والإسلامية، ومن خلال بَعث البعثات الطلابية إلى أوروبا، وقد زادت العولمة من وتيرة التمازجات العمرانية، بحيث يمكن القول بأن الإسلام ليس وحدة مغلقة على نفسها أوغير قابلة للتبادل الثقافي من ناحية الهندسة المعمارية.

ويشير لاتيون إلى أن انتقال الإسلام إلى الغرب يرتكز على مبدأ التبادل الثقافي، الذي يقوم على ثلاثة خطوط أساسية:

- اللاتثاقف؛ ويعني الرفض المطلق للدين بوصفه تقليدا تاريخيا وليس عقيدة فحسب.

- التثاقف؛ ويعني استعارة نماذج ثقافية من المحيط الجديد.

- الانتزاع الثقافي؛ ويعني إعادة تعريف العمارة من خلال قواعد جمالية مبتكرة وشخصية، بحيث تفقد ارتباطها بالعامل الثقافي.

وعلى الرغم من أن المساجد في أوروبا لا تعيد ما هو موجود في العالم الإسلامي، لكن التأثيرات الثقافية المشرقية لا تزال باقية فيها، ولذا وجب التأكد من أن السياق الأوروبي سيغير النظرة التي سيوليها المسلمون إلى ممارساتهم ومعتقداتهم وأماكن عباداتهم، تماما كما كان الحال بالنسبة للمسيحية والبوذية واليهودية.

قضايا الأزمة

أ - توسعية الإسلام في الغرب

في القسم المخصص لدراسة السياقات العامة للأزمة يحاول كل من باتريك هاني وسمير آمغار مقاربة التوسع الإسلامي في الغرب، وينطلقان من أن الداعين للمبادرة يرون أن هناك مشروعا للهيمنة السياسية، وأن التوسع عنصر موجود في بنية الأيديولوجية الإسلامية، وأن هناك فاعلين لديهم مشروع لتنفيذ هذا التوسع، وهم الذين يرون أن الإسلام دين الخلاص للإنسانية باعتباره خاتم الرسالات.

وهناك تياران للإسلام معروفان في الغرب؛ هما: الإخوان المسلمون، وحركة الرأي الوطني التركية، وقد وجد الإخوان المسلمون أنفسهم في معضلة؛ فخصوصيتهم تنطلق من سعيهم لإقامة الدولة الإسلامية، أو على الأقل المشاركة السياسية، بينما في الغرب، وبسبب الطبيعة الأقلاوية للمسلمين، ليس هناك إمكانية لبناء دولة إسلامية أو حتى مشروع سياسي متكامل؛ لهذا لم يتبق أمامهم إلا "الإسلام السياسي للأقلية"، وهو ينقسم إما إلى الوعظ الديني، أو إلى الدخول في استراتيجية البحث عن دور الوسيط بين السلطة والسكان المسلمين، ومحاولة تمثيلهم وتأطيرهم، مما يؤدي إلى تكوين علاقات زبائنية بينهم وبين الحكومات الغربية -وهم بذلك يتركون القضايا الإسلامية الكبرى، وقد يصبحون محل نقد بسبب تحولهم إلى برجوازيين- أو تنازلاتهم التي تدفع الشباب المسلم إلى التفرق من حولهم.

ويردف هاني وآمغار أن مسارات القطيعة مع الأطروحة الإسلامية، التي تتضمن ذلك الربط الصارم بين الدين والسياسة، والتي تتضاعف أكثر فأكثر لتفضي إلى ظاهرة "ما بعد الإسلام السياسي"، تتميز بثلاثة مداخل مهمة:

- المدخل الأول: العودة إلى المجال السياسي الصرف، هذه العودة تعكس الرغبة في الانخراط في عمل سياسي يخلو من أي بعد ديني.

- المدخل الثاني: البحث عن الديني النقي، وتدعمه السلفية القادمة من المملكة العربية السعودية، وهو تيار ديني متشبث بالتعاليم الدينية، ذو طابع مذهبي يدعو للقطيعة مع المجتمعات الغربية، فالعديد من الإسلاميين يرون أن الانخراط في العمل السياسي إفساد للديني أكثر منه وسيلة تحقيق لشريعة الله على الأرض. والسلفية تفضل الانسحاب من المجتمع الغربي دون الدعوة إلى هيكلة المجموعات المؤسلمة في أوروبا.

- المدخل الثالث: التطبيع الثقافي، ويستهدف البحث عن هوية إسلامية لا تحمل وصما معينا، هوية ذات طبيعة فردانية، بحيث يعتمد الخلاص على الفرد وعلى النجاح الشخصي والفاعلية.

الملاحظ هنا أن المداخل الثلاثة لما بعد الإسلام السياسي لا تنبني على فكرة التوسع؛ ففي السياسي الصرف لا يوجد أثر للديني، وبالتالي نحن خارج نطاق الأسلمة، وفي الديني النقي نحن في سياق إعادة الأسلمة، لكننا خارج أي مشروع للهيمنة السياسية، وفي المدخل الثالث نحن داخل الديني، ولكن داخل التمازجات الثقافية الغربية وليس المواجهة أو الرغبة في التوسع.

وعلى الرغم من أن السلفية هي الجاذبة في الوقت الراهن في مواجهة الإخوان المسلمين، لكنها لا تشكل أداة من أدوات فتح الغرب؛ لأنها تدعو إلى الانغلاق على النفس حتى في أوساط التجمعات الإسلامية في الغرب، فضلا عن انهماكها في الديني فقط، ومن ثم لا تهتم بالمجتمع ولا بالسياسة، فهي بعيدة عن أن تكون التعبير الجديد عن مشروع الهيمنة السياسية.

أما عن الجهادية المناضلة التي تتقاسم مع السلفية غير المقاتلة رغبتها في الانغلاق على الذات، فهي تصم بالكفر كل خصومها الذين تحاربهم، سواء كانوا مسيحيين أو يهود أو حتى مسلمين غير ملتزمين؛ طبقا لتعريفها الخاص للالتزام الديني. وهي تخلق خلايا ورعة ومناضلة، تعيش في قطيعة مع المجتمع الأوروبي الكلي، ومع الجالية المسلمة التي تعتبرها في حالة جاهلية بحكم الله.

والمحاربون الجدد في الغرب لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم "عادلين"، بل كـ"أطهار" يعيشون ضمن عالم مدنس جاهلي، وهذا هو مصدر عدم اهتمام السلفية الجهادية باستراتيجيات تأطير الجاليات المسلمة في الغرب، وبالتالي رفضهم المطلق من قبل القوى الإسلامية الأخرى برمتها. وهؤلاء المتشددون يتجنبون شبكة المساجد؛ لسهولة مراقبتها من قبل الاجهزة الأمنية، ولأنها تعتبر ساحة للتفاوض مع الغرب الملعون بنظرهم، الأمر الذي يعني أن المسجد لم يعد ساحة للتشدد، فهناك فضاءات أخرى يمكن أن تصبح أكثر تشددا، مثل الإنترنت.

هكذا لم تعد الفضاءات المختلفة للإسلام الحركي والنضالي تجسد فكرة الفتح؛ فمن جهة أصبح الإسلام السياسي أكثر حيادية وبدأ يفقد حيويته الصراعية ويتم تجاوزه من قبل أصولية سلفية جديدة، ومن جهة ثانية فإن السلفية التي تتجاهل استراتيجيات اندماج الجاليات المسلمة في الغرب وتنتقد واقعية المجتمع المسلم، لا تؤدي إلا إلى الهجرة أو العدمية السياسية الناتجة عن خيار الخلاص عبر الشهادة.

وفي الجهة المقابلة فإن الديناميكيات الاجتماعية التي يمكن أن تحمل روح التوسع أو الفتح يمكن حصرها في: الديمغرافيا المسلمة، تجديد الممارسة الدينية، وواقع الجيتو كفضاء لثقافة فرعية دينية يؤطرها تيار الإسلام السياسي.

وبالنظر إلى الديمغرافية الإسلامية فهي في تراجع في كل أنحاء العالم الإسلامي عدا باكستان وبعض دول إفريقيا السوداء، وهذا التراجع يتزامن مع صعود المد الإسلامي، ومن ثم فلا الصحوة الإسلامية ولا الحكم الإسلامي (إيران) استطاعا التأثير في اصطفاف المسلمين خلف المعايير الديمغرافية الحديثة. أما عن العودة إلى الإسلام، فهناك توجهان كبيران لهذه العودة؛ من جهة يوجد تدين يتميز بالرغبة في التطبيع الثقافي والهوياتي، ومن جهة ثانية هناك أصولية تعيش في قطيعة مع النظام الغربي، على حين تظل التجمعات الجيتوية الإسلامية في الغرب قائمة، لكنها لا تشكل نقطة انطلاق لعملية توسع إسلامي في الغرب؛ فالجيتو لا يتهيكل حول استراتيجية سياسية، بل هو نتاج للعمليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعقدة. وهناك عدة نقاط يمكن الانطلاق منها في مسألة علاقة المسلمين بالجيتو:

أولها: أن الإسلام السياسي المرتكز على الطبقة الاجتماعية الوسطى وعلى نموذج نخبوي ليس له تأثير على الضواحي.

وثانيها: أن القيم السائدة في الأحياء ذات الغالبية المسلمة هي قيم السوق الفردية والاستهلاكية.

وثالثها: أن المسجد قد يكون على خلاف مع الجيتو وضد التشدد؛ فالمسجد يعارض منطق الجيتو لأنه يشكل فضاء للتفاوض من أجل الحصول على تصريح بإدارة المعارضة المحتملة، كما أنه يعد عاملا مهما لاحتواء العنف؛ فالتشدد لا يمر عبر المساجد بل عبر القطيعة مع المسجد.

ب - الكنائس في البلاد الإسلامية

في الجهة المقابلة والمتعلقة بوضعية الكنائس في الشرق تذكر لور جرجس أن غالبية الدول العربية تحكمها نظم تسلطية تفرض سيطرتها على الفضاءات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، وتميز بين تلك الديانات التي تعترف بها رسميا وبين تلك التي لا تحظى بالاعتراف الرسمي، والكنائس تستفيد بلا شك من هذا الاعتراف الرسمي، ولها علاقات تنظيمية بدرجة أو بأخرى مع العديد من الجهات والتنظيمات، خصوصا في ظل اعتراف الدساتير العربية والإسلامية -عدا السعودية وإيران واليمن- بحرية المعتقد والممارسة الدينية في حدود الشريعة الإسلامية، واحترام تقاليد المجتمعات الإسلامية.

وفيما يخص بناء الكنائس وتجديدها فهي مسألة متفاوتة بين الدول الإسلامية، ففي حين لا تُمنع أية مجموعة دينية من تشييد دور العبادة الخاصة بها في الأردن، لا تستطيع ذلك أية أقلية دينية في السعودية، وبين هاتين الدولتين تقع الدول الأخرى؛ فالدول الخليجية على سبيل المثال تقترب في المنع من السعودية، وإن كانت هناك محاولات جيدة في الاتجاه الآخر، وخصوصا في الكويت التي اعترفت بالكنائس السبعة الموجودة فوق أراضيها وبحريتها في ممارسة الشعائر الدينية، وفي قطر تترك للكنائس غير المعترف بها حرية الممارسة الدينية، ولكن يحظر استخدام الرموز الدينية في الفضاء العام، وفي المغرب العربي يشكل المسيحيون نسبة لا تتجاوز واحدا بالمائة من عدد السكان، ومعظمهم ينحدرون من أصول أجنبية أو ممن تحولوا حديثا إلى المسيحية، والوضع في المغرب أفضل حالا من الجزائر التي تتعامل بصرامة في هذا الأمر.

أما في تركيا وباسم حماية العلمانية، تضع الدولة قيودا على المسيحية مثلها في هذا مثل المذاهب والأحزاب الإسلامية، وفي مصر يواجه المسيحيون بطئا وتعقيدا في بناء الكنائس التي يتم تنظيمها وفقا لما يسمى بالخط الهمايوني الذي وضع موضع التنفيذ للمرة الأولى عام 1856م وأدخلت عليه بعض التعديلات إلا أنها لا تجد التفعيل بشكل مناسب.

تعد الأجواء في سوريا منفتحة نسبيا؛ إذ تمنح الحكومة بعض المقار الدينية دون مقابل، وتقدم كذلك تخفيضات على المنشآت الدينية للجماعات الدينية المسلمة واليهودية والمسيحية، ورغم طول الإجراءات فإن الحكومة لا تتدخل في الشئون الدينية، وإن كانت كل المجموعات الدينية وغير الدينية تخضع لمراقبة دقيقة من قبل الأجهزة الأمنية.

وبصفة إجمالية تؤكد لور جرجس على أن حكومات الدول الإسلامية تخضع في تعاملها مع المؤسسات الكنسية لعدة اعتبارات؛ منها طبيعة النظام التسلطية، واعتماد أكثر من خطاب إسلامي رسمي، ووجود معارضة إسلامية متشددة وإستراتيجيات الدولة تجاهها، ومدى وجود استقرار اقتصادي واجتماعي في الدولة، وحجم المجموعات الدينية الموجودة داخل الدولة، وخصائصها.

ج - الاستشراق الجديد والنقد الثقافي للإسلام

ينظر أوليفيه موس إلى المبادرة من جهة أنها تعبر عن تيار النقد الاستشراقي الموجه للإسلام والذي تطور في أعقاب تفكك النظم الشيوعية، مؤكدا على أن هذا التيار عابر للحدود، وأنه وصل إلى سويسرا من أجل استغلال نظمها القانونية في تحقيق أهدافه، وأضاف بأنه منذ نهاية الحرب الباردة بدأت تتبلور حركة فكرية ناقدة للإسلام تستند إلى ذات التهم التي كانت توجه نحو الشيوعية.

وهذا التيار لا يمثل برأيه مدرسة فكرية ولا تيارا محددا، بل يشبه الرواية المتعلقة بالمواجهة بين الغرب والإسلام، فليست كراهية الأجانب هي التي تقع في قلب هذا الانتقاد، بل الإسلام والمسلمين، باعتبارهما يقعان خارج سياقات الزمان والمكان. وحسب أوليفيه فإن الاستشراق الجديد يتأسس على المقولات التالية:

ـ نحن نتعامل مع عالم إسلامي، حيث الهويات السياسية والاجتماعية والدينية ثابتة ومجزأة وغير قابلة للتطور أو الامتزاج.

ـ الحيز الإسلامي استثنائي من الناحية الثقافية ويستعصى على الحداثة.

ـ مظاهر العنف التي تمتد من قضية الحجاب المفروض على النساء إلى الهجمات الانتحارية تجد سببها في العقلية الإسلامية نفسها.

هذه الأفكار جذابة لأنها تقدم نموذجا تحليليا عالميا قابلا للتوظيف في أي مكان في العالم، وهي جذابة لأنها تدعم المواقف الاحترافية للمتخصصين في هذا الملف، وتستجيب لحالة الفراغ التي تركها غياب الاتحاد السوفيتي، ويتسم الخطاب الاستشراقي الجديد بالمرونة الكافية ليستوعب متطلبات وأشكال النقاش المحلية، وهو صارم بما يكفي ليقدم نموذجا تفسيريا متنوعا قابلا للتطبيق على عدد لا يحصى من الأحداث المرتبطة بالإسلام.

ويشير إلى أن كلَّ الحججِ والطريقةَ التي رتبت بها الحججُ في المبادرة ضد المئذنة تضع الموضوع ضمن اتجاه النقد الموجه للإسلام، وأن هناك فاعلين وسياسيين وكتابا وجماعات ضغط تقوم باستعراض وتكرار هذه الحجج بصورة ثابتة للتأكيد على هذا التوجه الفكري الموجه ضد الإسلام، ورغم تكرار هذه الحججِ وبيان أن الإسلام غيرُ قادر على الاندماج في المجتمع السويسري، وأن المسلمين لا يرغبون في ذلك -خصوصا مع ترديد البعض أن المجتمع السويسري مجتمع مسيحي، وأن الإسلام فيه سيظل ضيفا-، فإن المئذنة في النهاية تميل إلى أن تكون أداة للاستخدام السياسي لمخاوف الجمهور، سواء أكانت مصطنعة أم مشروعة تجاه موضوع الهوية الإسلامية. وخلف الاعتراض على المآذن تقبع مسألة بروز الإسلام والتفسيرات التي تثيرها هذه الظاهرة.

د- التأثير على العالم العربي

في القسم الأخير المخصص لدراسة تداعيات المبادرة في السياق العربي يشير حسام تمام إلى ما يعتبره أسبابا للصمت، حيث يتناولها الإعلام العربي بشئ من الهدوء وكثير من التعقل على العكس من قضايا سابقة مشابهة، وأنه لم يثر ردود الأفعال السلبية ضد المصالح السويسرية كما حدث مع الرسوم المسيئة للرسول الكريم من الدانمرك، أو في حالة فيلم فتنة. ويرى تمام أن السبب الأهم يتعلق بمسألة المقاربة الإعلامية للخبر، خصوصا في ظل ندرة المراسلين العرب في عين المكان مما جعل الاعتماد الرئيسي على القسم العربي في موقع أخبار سويسرا "سويس انفو" الذي يتمتع بسمعة حسنة في أوساط وسائل الإعلام العربية بما في ذلك الإسلاميون نظرا لموضوعيته ومصداقيته، ومن ثم اعتمدت وسائل الإعلام العربية على هذه التغطيات العاقلة والرصينة، مؤكدة على أن المبادرة غير رسمية كما أنها لا تحظى بدعم رسمي.

من ناحية أخرى، فإن هذا الموضوع (المئذنة) لا يحظى بدعم من التيارات الدينية القادرة على التعبئة (السلفية)؛ فهناك قطاعات كبيرة من التيار السلفي ترى أن المئذنة لم تكن موجودة في الأزمنة الأولى للإسلام، بل هي أقرب للبدعة، كما أنها ليست مطلبا عباديا بقدر ما تبعد المسجد عن وظيفته الأساسية والتي هي الصلاة.

من ناحية ثالثة، طبيعة المبادرة نفسها؛ فالمبادرة تستهدف رمزا متعلقا بالثقافة الإسلامية، وليس المسلمين بشكل مباشر.

يحاول الكتاب -عبر جميع مقالاته- أن يؤكد على مسألة أساسية، وهي أن قضية المئذنة في سويسرا ليست حدثا سياسيا غريبا، وليست استثناء سويسريا كذلك، وهي تختلف عن قضية الحجاب في فرنسا أو الرسوم الدانمركية، كما أنها تتموضع كمحطة في إطار جبهة جديدة من التوترات التي تقع في الغرب ويكون الإسلام موضوعها، حيث يتأسس التحدي على مسألة الرموز والإشارات، وليس حول الاحتكاكات الملموسة والمباشرة للجاليات المسلمة مع المجتمعات المحيطة بها،  ويميز الجبهة الجديدة أنها مفصولة عن الممارسات اليومية، وهي قريبة الشبه بمسألة الرسوم التي كان لها أن تمر لو لم يتلقفها بعض الشيوخ.

ويخلص الكتاب إلى أن موضوع الرموز يبين كيف أن الإسلام أصبح أوروبيا الآن ولم يعد دينا يخص المهاجرين، بل صار مكونا من مكونات المشهد الديني الاجتماعي والعمراني في أوروبا، وأن المئذنة نجحت في أن تفتح النقاش حول التحديات الاجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية والمسائل المتعلقة بالهوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث في العلوم السياسية

 




ألفبائي جغرافي زمني